الشيخ الطبرسي
200
تفسير مجمع البيان
كما يقال عيني ممدودة إلى الله تعالى ، وإلى فلان ، وأنا شاخص الطرف إلى فلان ، ولما كانت العيون بعض أعضاء الوجوه ، أضيف الفعل الذي يقع بالعين إليها ، عن أبي مسلم وثالثها : إن المعنى أنهم قطعوا آمالهم وأطماعهم عن كل شئ سوى الله تعالى ووجوده دون غيره ، فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر ، ألا ترى أن الرعية تتوقع نظر السلطان ، وتطمع في إفضاله عليها ، وإسعافه في حوائجها ، فنظر الناس مختلف : فناظر إلى سلطان ، وناظر إلى تجارة ، وناظر إلى زراعة ، وناظر إلى ربه يؤمله ، وهذه الأقوال متقاربة في المعنى . وعلى هذا فإن هذا الانتظار متى يكون . فقيل : إنه بعد الاستقرار في الجنة . وقيل : إنه قبل استقرار الخلق في الجنة والنار ، فكل فريق ينتظر ما هو له أهل . وهذا اختيار القاضي عبد الجبار . وذكر جمهور أهل العدل أن النظر يجوز أن يحمل على المعنيين جميعا ، ولا مانع لنا من حمله على الوجهين ، فكأنه سبحانه أراد أنهم ينظرون إلى الثواب المعد لهم في الحال من أنواع النعيم ، وينتظرون أمثالها حالا بعد حال ، ليتم لهم ما يستحقونه من الإجلال . ويسأل على هذا فيقال : إذا كان بمعنى النظر بالعين حقيقة ، وبمعنى الانتظار مجازا ، فكيف يحمل عليهما ؟ والجواب . إن عند أكثر المتكلمين في أصول الفقه ، يجوز أن يرادا بلفظة واحدة إذ لا تنافي بينهما ، وهو اختيار المرتضى ، قدس الله روحه ، ولم يجوز ذلك أبو هاشم ، إلا إذا تكلم به مرتين ، مرة يريد النظر ، ومرة يريد الانتظار . وأما قولهم : المنتظر لا يكون نعيمه خالصا ، فكيف يوصف أهل الجنة بالإنتظار ؟ فالجواب عنه : إن من ينتظر شيئا لا يحتاج إليه في الحال ، وهو واثق بوصوله إليه عند حاجته ، فإنه لا يهتم بذلك ، ولا يتنغص سروره به ، بل ذلك زائد في نعيمه ، وإنما يلحق الهم المنتظر إذا كان يحتاج إلى ما ينتظره في الحال ، ويلحقه بفوته مضرة وهو غير واثق بالوصول إليه ، وقد قيل في إضافة النظر إلى الوجوه : إن الغم والسرور إنما يظهران في الوجوه ، فبين الله سبحانه أن المؤمن إذا ورد يوم القيامة ، تهلل وجهه ، وأن الكافر العاصي يخاف مغبة أفعاله القبيحة ، فيكلح وجهه ، وهو قوله ( ووجوه يومئذ باسرة ) أي كالحة عابسة متغيرة ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) أي تعلم وتستيقن أنه يعمل بها داهية تفقر ظهورهم أي تكسرها . وقيل : إنه على حقيقة الظن أي يظنون حصولها جملة ، ولا يعلمون تفصيلها . وهذا أولى من الأول ،